محمد غازي عرابي
866
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
إلهية لتفجير الينابيع ، والأرض هي التي كونت ماءها أصلا فكانت المحيطات والبحار ، وهذه هي التي كونت السحاب الذي تساقط على البر أمطارا ، فالعملية داخلة في بعضها بعضا ومرتبطة ببعضها بعضا ، ولولاها لما كانت الأرض أرضا بالتكثف ، ولا فجرت طاقاتها بالوسائل الإلهية ، ومنها يد الإنسان نفسه وفكره وطاقاته . وهناك الوسيلة الثانية للتعلم وهي النفس التي قال فيها سبحانه : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذّاريات : 21 ] ، فإذا كانت المعقولات تستخرج من المحسوسات بالحواس الظاهرة ثم الباطنة ، فإن النفس أيضا وسيلة لاستنباط المعقول ، وسميت العملية في الفلسفة الحدس ، فمن دون النفس ، وهي أرض ثانية للإنسان ، ما كان للإنسان أن يتعرف نفسه أولا ويعرف ربه ثانيا ، فالنفس خير معلم ، وبعد فكيف يتم التعليم بالنفس ؟ الحواس مثلا لا تكفي وحدها للتعلم ، وسميت لواقط حسية ، وبدهي أن العين ترى ولكنها لا تدرك وكذلك الأذن وبقية الحواس ، والحق سبحانه له القوى والصفات ، وصفاته ليست هو وليست سواه ، فالبصر والسمع والذاكرة والخيال ليست اللّه ، ولكنها ما كانت لتوجد وتعمل من دون اللّه ، فالذاكرة مثلا ليست الإنسان وإن كانت له خادما ، وضربنا مثلا لهذا في كتابنا الإنسان الكامل قائلين إن الإنسان يريد أن يتذكر فيحض ذاكرته على التذكر ، وهي تجيب أولا تجيب ، أو تجيب بعد حين ، والمهم القول إن الذاكرة ليست نفس الإنسان ، والدليل أن فاقد الذاكرة لا يفقد نفسه والذاكرة ليست اللّه أيضا ، والدليل أن الذاكرة حاسة فيزيولوجية لها في الدماغ مركز ، وهي تقوى وتضعف وتمرن وتهمل ، وهي لدى الطفل قوية ، وتضعف مع تقدم العمر ، وهي لدى المصابين بالخرف شبه معدومة ، فلو أن الذاكرة كانت اللّه نفسه لما كانت عرضة للزيادة والنقصان . وقس بقية الحواس ظاهرة وباطنة على ذلك ، أما النفس فدورها استقبال الانطباعات الحسية وتحويلها إلى تجريدات ، والتجريد نفسه معقول صرف هو البداية إلى عالم المعقولات البحت الذي هو عالم اللّه الباطن أو هو المعاني الإلهية ، فاللّه من دون الإنسان ما كان ليظهر صفاته في شيء أو بمخلوق آخر غير الإنسان ، ومعلوم أن الحيوان يسمع ويرى ولكنه عاجز عن إدراك كل ماله صلة بعالم المعقول ، والمعقولات الصرفة التي هي الملائكة ما كانت لتدرك الجمع ولا ماله علاقة بالجمع ، والجمع هو الحق ، لولا أنها استعانت بالنفس البشرية أيضا لإخراج ذخائرها ، فالجمال مثلا ، واللّه جميل يحب الجمال ، بحاجة إلى وجه جميل ليظهر به ، فملاك الجمال لا يستطيع أن يفعل شيئا من دون الإنسان ، ولهذا كانت الملائكة جند اللّه يمارسون دورهم في قلب الإنسان ، ولهذا السبب أمر اللّه الملائكة بالسجود لآدم ،